|
ارتفع حاجبا "قدري"، بمنتهى الدهشة والاستنكار، وهو يحدِّق في وجه "حسن" غير مصدِّق لما سمعه منه، واستغرق تحديقه فيه نصف دقيقة كاملة، قبل أن يهز رأسه في عنف، قائلاً:
- ذهب إلى السفارة الإسرائيلية؟!.. بعد كل ما رويته لي؟!
قلب "حسن" كفيه، وهو يقول بصوت مختنق:
- هذا آخر ما توقعناه جميعاً.. الكل يطارده ويبحث عنه في قلب "باريس"، وهو يعلم أن الإسرائيليين يسعون لاغتياله، بعد أن سعوا لهذا أمس بالفعل، وهذا يعني أنهم قد كشفوا أمره على نحو أو آخر.

غمغم "قدري" في توتر:
- جواز السفر متقن للغاية!!
هزَّ "حسن" رأسه نفياً، وقال في حسم:
- المشكلة لا تكمن في جواز السفر، ولكن في المواجهة السابقة على الأرجح.
تراجع "قدري" متمتماً:
- هل تعتقد هذا؟
أومأ برأسه إيجاباً، فغرق "قدري" في أفكاره بضع لحظات، قبل أن يقول في حيرة شديدة:
- لماذا يعود إليهم إذن؟!
زفر "حسن" في توتر، مغمغماً:
- لديه خطة ما حتماً.
هتف "قدري" في عصبية:
- أية خطة؟!
قلّب "حسن" كفيه مرة أخرى، وهو يمط شفتيه في يأس، قبل أن يقول:
- عندما أبلغوني الأمر منذ دقائق قليلة لم أصدقه في البداية، ثم سرعان ما أدركت أن "أدهم" يمتاز بتركيبة عقلية غير تقليدية، وبجرأة وثقة بالنفس بلا حدود.
تمتم "قدري" في عصبية:
- وبم يمكن أن يفيده هذا؟!
لوَّح "حسن" بيده قائلاً:
- هذا يساعده على القيام بخطوات تخالف كل توقعات الجميع، وربما تبدو حمقاء في البداية، ولكنها حتماً تستند إلى منطق ما، أو إلى خطة معقَّدة، نادراً ما يضعها بنجاح عقل شخص واحد.
وصمت لحظة شرد خلالها بصره، وكأنما يستعيد ذكرى قديمة قبل أن يتابع:
- ولقد درَّبه على هذا لاعب شطرنج شديد البراعة.
ارتفع حاجبا "قدري" في دهشة، وهو يغمغم:
- شطرنج!!
أومأ "حسن" برأسه، وقال، على الرغم من المرارة والحزن المطلان من عينيه:
- نعم.. يجيد الشطرنج إلى حد مذهل، حتى أنه يلاعب نفسه لساعات وساعات، ويدور دور اللاعبين في الوقت ذاته، وخاصة بعد أن أقعدته إصابة عنيفة في ميدان القتال.
غمغم "قدري":
- في الحرب؟!
صمت "حسن" لحظات قبل أن يجيب في بطء:
- في الحرب التي لا تنتهي أبداً.
وصمت لحظة أخرى، ثم استطرد في خفوت:
- حربنا.
أدرك "قدري" ما يعنيه على الفور، وصمت تماماً دون أي تعليق، وشاركه "حسن" صمته المهيب لحظات، ثم قال في حزم:
- والآن.. أما زلت تصرّ على كتمان السر، وترك "أدهم" يواجه مصيره.
وصمت "قدري"..
أو أنه واصل صمته لحظات أخرى..
لحظات طوال..
للغاية..
كان يوازن الأمر في رأسه..
أو يحاول هذا..
لقد وعد "أدهم" بكتمان السر..
مهما حدث..
ومهما تطوَّرت الأمور..
ولكنه يشعر أن الأمور قد تطوَّرت بسرعة..
وأن الموقف صار شديد الخطورة..
إلى أقصى حد..
وهذا يضعه في موقف شديد الصعوبة..
وأمام اختيار بالغ الخطورة..
هل يمنحهم ما يريدون..
أم يمنحه ثقته في أهلك المواقف..
ماذا ينبغي أن يفعل؟!..
ماذا؟!..
ماذا؟!.
* * *
مع غرابة الموقف، راح جسد "جونسون" يرتجف على نحو غريب، على الرغم من تماسكه الخارجي، وهو يستقبل "أدهم" عند مدخل السفارة قائلاً في صوت أراده صارماً قاسياً، ولكنه خرج -على الرغم منه- مرتجفاً منفعلاً:
- أوراقك.

قدَّم له "أدهم" ذلك الإيصال في هدوء مستفز، وهو يقول بالفرنسية:
- أتيت لآخذ جواز سفري طبقاً لهذا الإيصال.
قال "جونسون"، في مزيج من الدهشة والغضب:
- بهذه البساطة؟!
هزَّ "أدهم" كتفيه في هدوء مجيباً:
- ولِمَ لا؟!.. معي إيصال رسمي معتمد منكم.
ثم مال نحوه، وأضاف على نحو مستفز:
- أليس كذلك؟!
نطقها، وهو يتطلَّع إلى عيني "جونسون" مباشرة، مما استفز مشاعر هذا الأخير بشدة، فتطلَّع إليه لحظات في تحدٍّ، ثم أشار إلى رجاله، وهو يقول في صرامة:
- أسأت تقديرنا كثيراً أيها المصري.
بدأ رجاله تحرَّكهم نحو "أدهم" بالفعل، وأدهشهم أن هذا الأخير -على الرغم من صغر سنه- بدا شديد الهدوء، وكأنه لا يخشاهم، أو يبالي حتى بهم، مما استثار مشاعرهم أكثر، وملأها بالعدوانية تجاهه، و..
وفجأة، ظهرت تلك العربات..
عربات كبيرة عديدة، كلها تحمل شعارات قنوات تليفزيونية، ووكالات أنباء مختلفة، فرنسية وعالمية..
وفي لحظات، وقبل حتى أن يستوعب "جونسون" ورجاله الموقف، سطعت مصابيح التصوير، وأضواء الكاميرات التليفزيونية، واندفع عشرات المراسلين، يمطرون موظفي السفارة وعمالها، وحتى روَّادها بالأسئلة، مما جعل "جونسون" يهتف حنقا:
- ماذا يحدث هنا؟!
ابتسم "أدهم"، وهزَّ كتفيه مجيباً:
- يبدو أن أحدهم قضى ليلته ليجري اتصالاته مع وسائل الإعلام المختلفة هنا، ويخبرهم أن السفارة الإسرائيلية تتعامل بعنف وشراسة مع كل من يتقدَّم بطلب تأشيرة دخول إلى "إسرائيل"، ولكن لديها أسبابها التي ستعلنها هذا الصباح، وهم هنا؛ حتى لا يفوتهم السبق الإعلامي.
تضاعف غضب "جونسون" ألف مرة، وهو يتطلَّع إلى عينيه مباشرة
فاتسعت ابتسامة "أدهم" الساخرة، وهو يقول في هدوء:
- والآن، هل يمكنني استعادة جواز سفري؟!
نقل "جونسون" بصره بين "أدهم" ورجال الإعلام لحظات، ثم أفسح له الطريق وهو يقول في سخط:
- بالتأكيد.
وفي هدوء مستفز، اتجه "أدهم" نحو مبنى السفارة، وعبره بابتسامته الهادئة، فتبعه مدير الأمن ببصره في صمت، ثم أشار إلى أحد رجاله، مغمغماً:
- الخطة (ب).
تحرَّك الرجل في سرعة؛ لتنفيذ الخطة (ب) في حين تصدَّى "جونسون" لرجال الإعلام المنتشرين في المكان، قائلاً في صرامة، لم تخْلُ من التوتر:
- مهلاً أيها السادة، أنتم الآن على أرض إسرائيلية (*)، وتخالفون كل النظم القانونية والدبلوماسية.
راح المراسلون والإعلاميون يجادلونه في الأمر، ويناقشون قوانين الحريات، والنظم الدبلوماسية، في حين انشغل هو عنهم بمتابعة ما يفعله رجاله، الذين انتشروا على نحو مدروس، بحيث يمنعون الكل في هدوء من دخول السفارة؛ حتى ينفرد "أدهم" وحده بالمكان..
ثم فجأة، انطلق إنذار الحريق، وصاح "جونسون":
- إنه حريق داخل السفارة.. ابتعدوا بسرعة.
ومع حالة الفوضى التي سادت المكان فور انطلاق إنذار الحريق اندفع خمسة من رجال أمن السفارة الأشداء، نحو "أدهم" الشاب، وتعاونوا على تكبيل حركته، وأحدهم يغرس مسدسه في مؤخرة عنقه، ثم حملوه في عنف وسرعة، إلى حجرة جانبية، أغلقوا أبوابها بمنتهى الإحكام خلفهم..
وهكذا أصبح "أدهم" الشاب في قبضتهم..
في قبضة العدو..
الإسرائيلي.
* * *
(*)تنص القواعد والقوانين في كل دول العالم على اعتبار أرض أية سفارة والمتمثلة في حدودها السكنية تعد أرضاً تابعة لدولة السفارة، وليس الدولة المضيفة، والاعتداء عليها يعد اعتداءً على الدولة صاحبة السفارة مباشرة.
![]()
الحلقات السابقة من
"أنياب الأسد "
* * *
14- الشاب..13- الليل..
12- رصاصة...
11- ليلة الدم..
10 - القتلة ...
9- مسألة أمن..
8 - تأشيرة..
7 - سؤال..
6 - إسرائيل..
5 - الغائب
4 - اغتيالات
3 - أصابع فنان
2 - انتقام..
1- مرارة..
* * *
سلسلة الجولة الباريسية
سلسلة البداية
12- الختام... |


