history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

محمد فيجان الكردي

حدث كل شيء بعدها كالكابوس.. فريثما اجتمع باقي أفراد الأسرة، شرع الأب مع الحانوتي في تجهيز التابوت لإخراجه إلى السيارة الواقفة أمام المنزل، بينما الأم صامتة واجمة اتّشحت بالسواد القاتم الكئيب مع العمة التي تابعت ما يحدث غير نابسة ببنت شفة. ثم ّهمَّ الجميع بالخروج بالتابوت من المنزل. يا إلهي! ماذا يحدث؟! أحقاً سيخرجونها والجميع يراها ما تزال حية غير متوفاة؟!

انخرط "ماجد" و"أيمن" و"هيا" بالبكاء والصراخ الهستيري. ولكن الأب نظر لهم بحدة نظرات صارمة جمّدت عبراتهم ووأدت صرخاتهم.. عقد "ماجد" حاجبيه وهو يفكر عميقاً ويتساءل مستنكراً: هل سيتكرر ما حدث بالماضي ثانيةً؟ هل سيتكرر ما حدث لأخي الأكبر "محمود"؟! هل ستصير حياتنا بعدها بلا "نهى"؟! لا.. لن يكون.. لن يمرّ الأمر هذه المرة دون اكتشاف الحقيقة بأي طريقة. نعم ما زلت صغيراً، ونعم هذا هو أبي وهذه هي أمي وينبغي الثقة بهما مهما فعلا. لكنهما هذه المرة لا يقومان بالصواب.. ولا بد من حل.. لا بد من طريقة لاكتشاف الحقيقة.. لا بد.

ومع فتح الأب لباب المنزل وتراجعه ليحمل مع الحانوتي التابوت، جاءته الفكرة بغتة وتتابعت أمامه خطوات خطته مع متابعته خطوات أبيه نحو الباب.. وصرخ.. صرخ صرخة مدويّة حقيقتها كل خوفه ورعبه وقلقه على أخته الصغيرة "نهى" ولكن ظاهرها ادعاءه الألم والمرض والإعياء. ونادى على أمه شاكياً لها ألماً رهيباً يعصف بأحشائه. وتوسل لأبيه أن يدركه بطبيب أو دواء لدائه. فأنزل أبوه التابوت وأسرع إليه وهرولت أمه تتفحصه وتسأله عما به. فشكا لهم جميع أعراض وشكاوى مرض "نهى". وسرد لهم أنه نام الليلة الماضية كلها بجوار "نهى" قلقاً عليها بعدما أخلد جميع من في البيت للنوم. وظل يتلوّى مدعياً نفس حركات "نهى"..

وهنا هزت الأم رأسها في أسى قائلة أنه ولا بد قد أصابته عدوى المرض من "نهى". وجزّ الأب على أسنانه متبرّماً ولامه كثيراً على النوم بجوار أخته وهي مريضة. ثم سكنت حركات "ماجد" مثلما حدث مع "نهى" وتظاهر بمثل نظراتها التائهة. فعقد الأب حاجبيه وفكر كثيراً وران على المكان صمتٌ رهيب. ومرت لحظات الصمت كأنها دهر. بعدها أعلن الأب أنه الآن مضطر أن يأخذ الاثنين. وناشد الحانوتي أن يجلب سريعاً كفناً آخر ليجهز "ماجد" هو الآخر. وهنا فقط هوى قلب "ماجد" خوفاً ورعباً وتسارعت خفقاته بجنون. فمع أنه ادّعى كل هذا لاكتشاف حقيقة ما سيحدث لأخته "نهى" إلا أنه الآن مقبل على مخاطرة مغامرة لا يدري عواقبها. ومع غسل الحانوتي لجسده ولفّه بالكفن ظلّ عقله يدور ويدور وقلبه يكاد يتوقف من الخوف. ومر الوقت عليه بسرعة البرق. يا لغرابة هذا الوقت! الآن وهو يرجوه التروّي يعاند معه ويمر سريعاً! والآن هو بداخل التابوت يرتفع به تحمله أمه وعمته.

وينظر نظرات خاطفة للتابوت الآخر الذي مسجاة بداخله "نهى" يحمله أبوه والحانوتي.. ويتحرك الجميع الآن لخارج المنزل نحو الغموض.. ونحو المجهول.

 

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني