د.ميشيل حنا

الجهاز الزئبقي
ينتشر مرض ارتفاع ضغط الدم بصورة كبيرة قد تكون استثنائية بين المصريين. ففي بحث ميداني تحت عنوان (المشروع القومي المصري لارتفاع ضغط الدم)، وُجد أن حوالي ثلث المصريين مصابون بارتفاع ضغط الدم! ليس هذا مستغرباً نظراً لما هو معروف بأن الحياة في البلاد المصرية هي من أهم الأسباب العلمية التي تؤدي إلى هذا المرض!
لكن دعونا نعرف أولاً بعض الحقائق، أهمها أن نعرف ما هو ضغط الدم.
ضغط الدم
ضغط الدم هو القوة التي يضغط بها الدم على جدران الأوعية الدموية أثناء مروره بها، وهو أحد العلامات الحيوية المهمة التي تدل على وجود حياة.
ويشير مصطلح "ضغط الدم" عامة إلى الضغط في الشرايين. أما الشرايين فهي الأوعية الدموية التي تحمل الدم المحمّل بالأكسجين إلى أنسجة الجسم، وأما الأوردة فهي الأوعية الدموية التي تحمل الدم المحمل بنواتج التأكسد إلى القلب مرة أخرى، ليرسلها القلب للرئة لتعيد تحميل الدم بالأكسجين.. وهكذا. ويتم قياس الضغط بالطريقة التقليدية بواسطة الجهاز الزئبقي الذي يرجع قيمة ضغط الدم إلى قيمة ضغط عمود الزئبق وفقاً لطوله، ويقاس بالملليميتر زئبق.
ويتكون قياس الضغط من رقمين، الكبير يعبر عن الضغط الانقباضي للقلب systolic pressure، أي ضغط الدم عندما يقوم القلب بالضخ، والصغير هو الضغط الانبساطي للقلب diastolic pressure، أي ضغط الدم في الفترة التي يكون فيها القلب في فترة الراحة أثناء الدورة القلبية.

جهاز حديث
تبلغ قيمة الضغط المثالي للشخص البالغ صحيح الجسم في أثناء الراحة 120/ 80 ميلليمتر زئبق. بالطبع هناك اختلافات بين الأفراد، ويختلف الضغط بتدخُّل عوامل عديدة منها السن واستخدام أدوية معينة أو وجود أمراض معينة وغيرها.
قياس الضغط
الطريقة المثالية لقياس الضغط هي ثقب الجلد وإدخال إبرة داخل الشريان، وهذه الإبرة يتم توصيلها بنظام إلكتروني لقياس ضغط الدم داخل الشريان! لكن هذه الطريقة لا تستخدم إلا في المستشفيات في حالات خاصة فقط. هناك طرق أخرى لقياس الضغط دون ثقب جلد المريض إلا أنها أقل دقة بالطبع.
أشهر وسائل قياس ضغط الدم هي الجهاز الزئبقي، حيث يلف الجزء العلوي من ذراع المريض -في مستوى القلب تقريباً- بكيس قماشي ينتفخ بالهواء إلى أن يغلق مجرى الدم، ويترك الطبيب الهواء يتسرب شيئاً فشيئاً إلى أن يسمع النبضة الأولى لدخول الدم، فتكون هي الضغط الانقباضي، ويظل يسرب الهواء إلى أن تختفي النبضات، فتكون هذه القيمة هي الضغط الانبساطي.
واليوم هناك الأجهزة الإلكترونية التي يستخدمها الشخص في المنزل لمتابعة حالة ضغط الدم. ويحل هذا النوع من الأجهزة مشكلة عويصة بخصوص قياس الضغط، هذه المشكلة منتشرة عالمياً وتؤدي إلى أن يتناول الشخص علاجاً ليس بحاجة إليه أو لا يتناسب مع حالته. فهناك ظاهرة شائعة جداً هي أن يكون ضغط الدم مرتفعاً عند قياسه لدى الطبيب، وذلك بسبب شعور المريض بالقلق أثناء عملية القياس، وتسمى هذه الظاهرة أحياناً برعب البالطو الأبيض! وتؤدي هذه الظاهرة إلى أن حوالي 25% من المرضى الذين يتم تشخيصهم بمرضى الضغط المرتفع لا يعانون من هذا المرض في الحقيقة! لهذا فإن هذا الجهاز المنزلي يفيد في جعل الشخص يقيس ضغط دمه بنفسه في بيئة مختلفة عن بيئة العيادات ورعب البالطو الأبيض، وبالتالي فإنه يفيد في التحقق من كون الشخص مصابا فعلاً بارتفاع الضغط أم لا، إضافة إلى كونه يسمح بمتابعة الحالة بطريقة سهلة في المنزل، بحيث يمكن الاطمئنان إلى سير العلاج على ما يرام، وما إذا كان المريض بحاجة إلى تعديل جرعة الدواء.

هناك دائما شك من مدى مصداقية الأرقام التي تخرجها أجهزة قياس ضغط الدم المنزلية. هناك بضعة إجراءات ينبغي اتباعها عند قياس الضغط حتى نحصل على قراءة صحيحة:
1. يجب على الشخص عدم شرب القهوة أو السجائر أو ممارسة أي مجهود بدني قبل عملية القياس بنصف ساعة.
2. قبل القياس بخمس دقائق يجب أن يجلس الشخص جلسة مستقيمة على الكرسي، واضعاً ساقيه على الأرض في وضع مستقيم دون أن يجعل ساقيه في وضع متقاطع.
3. يجب أن تكون الذراع في وضع مسترخٍ وفي مستوى القلب تقريباً.
4. يجب لفّ الجهاز على جلد الشخص مباشرة، وليس من فوق الملابس.
5. يجب على الشخص ألا يتحرك أو يتكلم أثناء القياس حتى لا يؤثر هذا على قراءة الجهاز.
وكم يجب أن يكون قياس ضغط الدم؟
الوضع المثالي الذي تتحدث عنه الكتب هو 120/80، إلا أن ضغط الدم الطبيعي يختلف من فرد لآخر، كما يختلف في الشخص الواحد من دقيقة لأخرى.
في الأطفال يكون ضغط الدم أكثر انخفاضاً، بينما يزداد في كبار السن بسبب فقدان الأوعية الدموية لمرونتها. ويختلف ضغط الدم باختلاف عوامل كثيرة بخلاف العمر، كالحالة النفسية، وبذل الجهد من عدمه، والنوم، وحالة الهضم، وحالة الوقت من نهار أو ليل.
إذا كان ضغط الدم الانقباضي أكثر من 120 لكن أقل من 140، وإذا كان ضغط الدم الانبساطي أعلى من 80 لكن أقل من 90، فإن الشخص يكون عرضة للإصابة بضغط الدم المرتفع، ويجب الاهتمام به لمنع ضغط الدم من الزيادة، هذا وفقاً للمدرسة الأمريكية. أما وفقا للمدرسة البريطانية، فإن الشخص يعتبر ذا ضغط دم طبيعي إذا كان قياس الضغط الانقباضي بين 110 – 140، والانبساطي بين 70 – 90.
وما الذي ينظم ضغط الدم في أجسامنا؟
ليست الآلية الهرمونية التي تنظم ضغط الدم في الجسم مفهومة تماماً حتى الآن، لكن من المتفق عليه أن هناك ثلاث آليات تعمل معا لتنظيم الضغط: الآلية الأولى عن طريق مستقبلات receptors معينة توجد في بعض الأوعية الدموية في الجسم. هذه المستقبلات لها القدرة على الإحساس بضغط الدم، ومن ثم إرسال الأوامر إلى القلب لزيادة النبض أو تقليله وفقاً للحاجة. وتوجد بعض هذه المستقبلات في كرتي العين وفي الخصيتين، وفي مكان معين من الرقبة. بعض الرياضات القتالية الآسيوية تعلم المقاتل أماكن هذه المستقبلات، فالضغط عليها بشدة يعطي إشارة خاطئة للقلب بأن ضغط الدم مرتفع جدا، وبالتالي يقلل القلب معدل النبض بدرجة كبيرة لتقليل ضغط الدم، وقد يحدث الإغماء هنا، وإذا كان الضغط على هذه المستقبلات شديدا فإن القلب يمكن أن يتوقف وتحدث الوفاة.

الآلية الثانية هي نظام الرينين والأنجيوتنسين، والكليتان هما المسئولتان عنه. فعندما يكون ضغط الدم منخفضا، تفرز الكليتان الرينين، والذي يقوم بدوره بتحفيز إفراز الأنجيوتنسين الذي يقوم بعمل انقباض في الأوعية الدموية ليرتفع الضغط. لهذا فإن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الكليتين يعانون من مشاكل مع ضغط الدم أيضا بسبب اختلال هذا النظام.
الآلية الثالثة مرتبطة بالألدوستيرون الذي يتم إفرازه استجابة للأنجيوتسنسين أو لارتفاع نسبة البوتاسيوم، ويقوم الألدوستيرون بجعل الكليتين تحجزان الماء والصوديوم، وتقللان من إفراز البول ليزيد حجم الدم ويرتفع الضغط.
هذه الآليات الثلاث لا تعمل مستقلة عن بعضها البعض، ولكن هناك ارتباطاً بينها، وهذه الأنظمة هي التي يتم استهدافها بواسطة أدوية خفض ضغط الدم في المرضى المصابين بهذا المرض، كما سنرى في الأسبوع القادم.


