إسلام مصباح

جيمس واطسون وفرانسيس كريك
الهندسة الوراثية، وعلم الوراثة والجينات هو أحد العلوم البارزة في القرن العشرين، وإليها يُعزى تقدم البشرية المستقبلي، فمنذ قديم الأزل دأب الأقدمون على تصنيع سلالات جديدة عن طريق التزواج بين الأجناس للحصول على فوائد أكبر، ولكن بداية من القرن التاسع عشر بدأ العالم يعرف القواعد الصحيحة للعبة، واليوم يمكن لكل شخص أن يتكلم بحرية عن علاج الأمراض بالجينات والاستنساخ والهندسة الوراثية.
تاريخ علم الوراثة
علم الوراثة هو تفسير الطريقة التي تورث بها الكائنات الحية الصفات التشريحية والسلوكية والحيوية، وإذا استطاع الإنسان أن يفك اللغز الذي يحكم هذا التوارث، استطاع إحكام سيطرته على الكثير من الأمراض والسلوكيات الخاطئة أو غير المرغوب فيها، ويفتح الباب للتوسع في الكثير من العلوم، مثل علم أمراض الدم والمناعة والأجنة ومكافحة السرطان، بل حتى العلاج النفسي.

مزروعات معدلة وراثيا تجلب الأوبئة
بدأ علم الوراثة عندما نشر "جريجور مندل" عام 1865، بحثاً مكوناً من 55 صفحة، على شكل إحصاءات وراثية تبين المراحل التي مر بها نبات البسلة من خلال تجاربه عن توارث الصفات، وتقسيمها إلى صفات متنحية وأخرى سائدة، بمعنى أن الصفة السائدة لدى البسلة أن تكون الساق طويلة، والصفة المتنحية أن تكون الساق قصيرة، فإذا لقحنا بسلة طويلة الساق مع أخرى طويلة الساق ولد نسل طويل الساق، وإذا لقحنا بسلة قصيرة الساق مع أخرى قصيرة الساق ينتج نسل قصير الساق، إما إذا لقحنا بسلة طويلة الساق مع أخرى قصيرة الساق، ينتج عن هذا نسل يحتوي على الصفات السائدة والمتنحية، وفي المراحل المتتالية، يمكن أن نرى صفات متباينة بين طول وقصر الساق، وقد اختار "مندل" نبات البسلة؛ لأنه خنثى "أي يحتوي على صفات الذكورة والأنوثة ويمكنه تلقيح نفسه"، ولأنه يمتلك العديد من الصفات المتضادة مثل لون الزهور وملمس الحبوب، كما أنه ينمو بسرعة كبيرة نسبياً، وقد أدت تلك التجارب إلى العديد من القواعد المهمة، منها أن الأب والأم يشتركان في توريث الأبناء.

جريجور مندل
وقد أعيد اكتشاف قوانين "مندل" عام 1900 على أيدي مجموعة من علماء النبات بعد اكتشاف الميكروسكوب، وبعد خفوت حدة الصراع العالمي الذي سببته نظرية "النشوء والتطور"، وقد ظهرت أول خريطة وراثية عام 1913، ولظهور هذه الخريطة عانت آلاف – ربما ملايين- من زهور البسلة وذبابة الفاكهة من محاولات العلماء الدائبة لتفسير ومعرفة كيفية اكتساب الصفات، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، شهد المجال تطوراً هائلاً، وكانت أوروبا وأمريكا واليابان في تسابق دائم من أجل الوصول إلى مرحلة متقدمة في اكتشاف الجديد من علوم الوراثة والتطبيق الفعلي، وقد أدى هذا إلى اكتشاف أسباب العديد من الأمراض مثل أمراض الدم وعمى الألوان، والصلع، وغيرهم.
وقد أدرك علماء الوراثة أن الطفرات تحدث نادراً وعشوائياً، وعندما تحدث فإنها غالباً تكون متنحية أمام الصفة السائدة الطبيعية، وأغلب الصفات المتنحية هي صفات ضارة وربما مميتة، وأي خريطة وراثية للإنسان أو النبات أو الحيوان، هي مجموعة من الصفات المتنحية والسائدة بغير ترتيب، والخلية الحية تحمل من الجينات أكثر بكثير من الوظائف التي تقوم بها في الوقت الحالي أو في مطلق الأوقات، وعدد كبير من الجينات لا يستخدم قط، فالخلية الحية إذا استخدمت طاقتها كاملة فإن ذلك يؤدي إلى استنفاد طاقتها.
الجينات
الجينات هي عبارة عن لولب مزدوج مكون من أربعة أحماض قاعدية، تشبه بالضبط شكل سُلّم له شكل لولبي يدور باتجاه عقارب الساعة، وعلى السلم تصطف الدرجات الوراثية، ومجموعة من الجينات تكون الكروموسوم، وقد ظل الاعتقاد سائداً لفترة طويلة أن الإنسان يمتلك 24 زوجاً من الكروموسومات، حتى جاء العام 1956 ليكتشف العالم أن عدد الكروموسومات هو 23 زوجاً، ومن هنا ولدت مقولة "كل العلماء عُمي"!.

الكروموسومات وبنيتها الأساسية
الجين له وظيفتان حيويتان، الأولى هو أنه يوجه أجهزة الجسم للقيام بنشاط ما أو إفراز إنزيم بعينه، والثانية أنه قادر على نسخ نفسه إلى خلية جديدة، وكل جين له وظيفة معينة لا يخطئها، وعدم وجود الجين يعني عدم أداء الوظيفة بالشكل الأمثل، علماً بأن الجين ما هو إلا رسالة تكتب على الحمض النووي، كأنها توجه أمراً لأداء وظيفة ما، وكانت مهمة العلماء الشاقة هي معرفة وظيفة كل جين على حدة، ولكن بطرق عبقرية تم الأمر، فالبكتريا وحيدة الخلية لا تحمل داخلها نواة، وتحمل عدداً محدوداً جداً من الجينات، فكان عليهم أولاً جعل الخلايا الحيوانية الحقيقية تنمو وحيدة كأنها بكتريا، ثم تلقيح البكتريا وحيدة الخلية بجين أو اثنين من الخلية الحيوانية، ثم مراقبة تطور صفاتها ونسلها لمعرفة وظيفة الجين، ومن هنا ظهر مصطلح cloning أو الاستنساخ وهو يعني الخلايا العديدة المتطابقة من أصل واحد، وهي نفس الطريقة تقريبا التي اكتشف بها كيف ينسخ الفيروس صفاته إلى الخلية..

تجارب مندل
ثم فجأة اكتشف العلماء أنهم لم يعرفوا فقط وظائف الجين، بل نقلوا للبكتريا وظائف أخرى لم تكن قادرة على عملها من قبل مثل إنتاج إنزيمات معينة، وهنا ظهر المصطلح " الهندسة الوراثية"، فيمكن عن طريق هذه الوسيلة إجبار البكتريا على إنتاج الإنزيمات المهمة للبشر مثل الأنسولين البشري أو هرمون النمو.
التركيب البنائي للجين البشري
علم الوراثة لدى الإنسان بالذات يثير عقبات بيولوجية وأخلاقية كثيرة، فعدد الأطفال حتى في العائلات الكبيرة قليل حتى يتم تحليل الصفات الوراثية، والإحصاءات التاريخية عن الصفات الوراثية هزيل، كما أن الإنسان واحد من أكبر المخلوقات عمرا، وهذا يعني أن عالم الوراثة لن يمكنه –حتى إذا حالفه الحظ وكان طويل العمر- من متابعة أكثر من ثلاثة أجيال من عائلة معينة، ولا يمكن إقامة التجارب على البشر بأي حال من الأحوال، ولكن في عام 1967 تمكن العالمان "ماري وايس"، و"هوارد جرين" من ابتكار تقنية لدمج الجينات البشرية بخلايا الفأر، وعلى الرغم من أن خلايا الفأر كانت ترفض باستمرار كروموسومات الإنسان، إلا أنه أمكن دمج كروموسوم بشري في كل مرة مع كروموسومات الفأر، ثم تم ابتكار طريقة لصبغ كل كروموسوم بلون معين، وأمكن بهذه الطريقة معرفة شكل كل كروموسوم بطريقة لا تقبل الخطأ أو الخلط مع أي كروموسوم آخر، ثم بدأ العلماء من خلال نتيجة الأبحاث نسب جين معين لكروموسوم معين، ولكن تبقى المشكلة الأهم، التباين البشري هائل بطريقة لا تصدق، وهذا يعني أن الكلام عن خريطة نهائية للجينات البشرية في الوقت الحالي تعدو نوعاً من الخيال، ففي كل يوم تقريباً يكتشف جين جديد لدى فصيلة بشرية لم يكن معروفاً من قبل.

أشكال الكروموسومات
في العدد القادم نبدأ الحديث الفعلي عن الهندسة الوراثية والاستنساخ، وتاريخ اليوجينيا، وفوائد وأضرار الهندسة الوراثية.


