شريف عبد الهادي

فى إحدى لقاءاتي بالفنان الموهوب "أحمد مكي" سألته عن وجهة نظره في الكوميديا فقال: "لو اشتريت أي كتاب عن الكوميديا بـ5 جنيه هتلاقي إن الكوميديا بتحصل لو جبت اتنين من ثقافتين وبيئتين مختلفتين حطيتهم في مكان واحد وبيئة واحدة لإنجاز مهمة مشتركة.. ساعتها هتبدأ المواقف تتفاعل ويحصل ضحك"، هذا هو تلخيص الكوميديا في وجهة نظر "مكي" وهذا هو تلخيص "إتش دبور" أيضًا المليء بالضحك والكوميديا من بدايته لنهايته بلا أدنى مبالغة ولكن....... وآه من كلمة لكن...


"تيمة قديمة"
تعود تيمة الفيلم لأفلام الأبيض وأسود، حيث الشاب الغني المرفه الذي ولد وفي فمه ملعقة ذهب "أحمد مكي - هيم دبور"، وفجأة تدور عليه الدوائر وتضيع ثروة والده "حسن حسني - دبور بيه" بفعل خطة شريرة دبرتها منافسته الشرسة "هالة فاخر - لطيفة هانم" لتسريب وصفة شامبو "مضروبة" في مصانعه مما يتسبب في سقوط شعر المستهلكين واتهام "دبور بيه" بالغش التجاري ووضعه في السجن ومصادرة أملاكه، وهنا يجد الشاب "الكول" الذي لا يجيد أي شيء في الحياة سوى السهر في "الديسكو تك" والذهاب إلى النوادي، يجد نفسه فقيرًا وحيدًا بعد أن ذهب عنه ماله وسلطانه وتخلى عنه أصدقاؤه، وتتوالى الأحداث الكوميدية ويتوالى الضحك "المسخرة" على المواقف التي تنشأ من وجود شاب بهذه الثقافة وهذا "الشعر" وهذه الملابس في منطقة شعبية فقيرة مليئة بالغلابة والبسطاء الذين يشعرون فيه بأنه كائن فضائي قادم من كوكب آخر، ليجد الجمهور في الفيلم متعة حقيقية وضحك حقيقي من القلب رغم تيمته "القديمة".


جمهور غلبان
أجمل ما في الفيلم أنه جاء في موسم شبه خالٍ من الكوميديا المليئة بالضحك من أول مشهد حتى آخر مشهد، بعد الفشل الذريع والسخافة المفرطة التي افترسنا بها "محمد سعد" في فيلمه الأخير "بوشكاش" واتجاه "أحمد حلمي" لنوعية جديدة من الأفلام التي تعتمد على عالم "السايكو" والمرضى النفسيين بشكل جعل الفيلم أقرب للتراجيدي منه للكوميدي، وظهور الثنائي القنبلة "عادل إمام" و"عمر الشريف" في تحفتهما "حسن ومرقص" التي تأخذك لعالم الوحدة الوطنية والعلاقة الحساسة بين المسلمين والمسيحيين بشكل يجعل الضحك فيها بحساب دون أي جنوح أو جنون في مسألة حساسة لا تحتمل الضحك من الأساس...


وبالتالي خلت الساحة الكوميدية من فيلم كوميدي مليء بالضحك الذي يبحث عنه الجمهور كل موسم ليأتي "إتش دبور" في نهاية موسم الصيف بمثابة قطرة الماء المثلجة التي يفتح لها الجمهور فمه بمنتهى العطش ليقدم الفيلم فرصة ذهبية للنجم "أحمد مكي" أن يخرج كل ما لديه من جنون وطرقعة في ملعب يلعب فيه بمفرده أمام جمهور غلبان يبحث عن أكبر قدر من الضحك لإفراغ همومه وكبته دون الالتفات لتيمة الفيلم، وفكرته البسيطة، وقصته التي جاءت سطحية إلى حد كبير، لكن كل هذا لا يهم ما دام الضحك الصاروخ والحركات المجنونة متوفرة بالفيلم!


كلام عيب
لم ولن يبالي الجمهور الغلبان بكلمات النقد، واستنكار النقاد والمثقفين لظهور موضة جديدة في "إتش دبور" تعتمد على المفردات الإنجليزية "قليلة الأدب" التي لا يمكن قولها باللغة العربية، ولم ولن يلتفت الجمهور إلى عيب الإيحاءات والتشبيهات التي اعتمد عليها "أحمد مكى" والتي قتلت الجمهور ضحكا دون أن يشعر أحدهم بالخجل أو الكسوف، ما دام ذلك يقدم أكبر قدر من الضحك الذي يوجع القلب الذي يبحث عنه الجمهور، رغم أن ذلك يقودنا إلى ظاهرة جديدة تتسلل بيننا وتدخل بيوتنا ويرددها صغارنا كموضة جديدة "كول" في وقت أصبحت فيه كلمة "روش طحن" مجرد موضة قديمة راحت عليها بعد أن ظهرت مصلطحات أخرى أكثر فداحة وطرقعة و.. أكثر قلة أدب أيضًا.


أداء عالى
أجمل ما في الفيلم أنه يفتح الطريق أمام مواهب شابة مليئة بالموهبة مثل "سامح حسين - كلوشة" و"إنجى وجدان - أرواح" الذين قدموا أداءً عاليًا في أول تجربة حقيقية تقدمهما للجمهور، بخلاف أداء "حسن حسني" و"لطفي لبيب" اللذين أثبتا أنهما موهبة نادرة وطاقة رهيبة لا غنى عنها لا في الأفلام الكبيرة أو أفلام الشباب، وبالطبع جاء أداء وحضور "أحمد مكي" أكثر من الممتاز وكيف لا وهو صاحب الشخصية الرئيسية التي ابتكرها من الأصل في مسلسل "تامر وشوقية" ورسم لها الخطوط العريضة، وبالتالي كان ظهوره في كثير من المشاهد كفيل بإثارة الضحك دون أي حوار أو كلام، وكأنه في غنى عن سيناريو الفيلم من الأساس وهذا هو الحضور العالي الذى منحه الله إليه وعليه استغلاله بطريقة صحيحة في أفلامه القادمة دون إهداره بإفيهات تحمل معاني غير طيبة ومصطلحات إنجليزية قبيحة لا يصحّ ترديد ترجمتها بالعربية، حيث إن الشتيمة بالإنجليزى ليست حلال أو مسموح بها لمجرد أنها بلغة أخرى غير العربية، وإلا لحفظ سائقو الميكروباصات والعربجية كام لفظ أجنبي قبيح ليرددوه دون أن يلومهم أحد أو يتهمهم بخدش حياء الركاب!

كلمة أخيرة
إذا كنت تبحث عن الضحك "اللي يفطّس" والذي يجعلك تسقط من مقعدك فيمكنك دخول "إتش دبور" وأنت مغمض العينين، أما إذا كان معك "مدام" لا تجيد لغة "الفرانكو آرابيك" ولا تفهم ترجمة مصطلحات اللغة الإنجليزية القبيحة فلا تأخذها معك إذ ربما تفاجأك في دور العرض بسؤالها عن معنى "إيه سفن إيه"؟



